سنة بعد سنة، تصبح الكتابة عن الرئيس الشهيد رفيق الحريري عمليّة في غاية الصعوبة والتعقيد. فأصعب شيء على الوجدان والضمير مخاطبة الراحلين عن هذه الدُنيا التاركين وراءهم إنجازاتهم العابرة للذات وللأنا، إنجازات أضاءت أنفاق الظلم والظلمات تاركة لرفيق الحريري فرصة النظر من عليائه إلى جرعة وافية من عدالة الأرض حلّت برداً وسلاماً على قلوب جماهيره لتطمئنهم إلى سلامة خيارهم وتمسّكهم بالدولة وبمدرسة الانفتاح والاعتدال مهما قسا فكر القتلة وتمادى ضجيج المتطرّفين وتعالى حقد الناقمين على مشروعه ومدرسته.
بقي رفيق الحريري الحاضر الأكبر منذ واحد وعشرين عاماً من عمر المخاض الدامي الذي سرنا فيه كلبنانيّين بين الأشواك والألغام وبين مكائد وغدرات القريب والبعيد. بقي رفيق الحريري ليرشدنا إلى طريق الوضوح الذي بلغناه أخيراً حيث نشهد ومعنا كلّ العالم على تهاوي وجوه القتلة كلّ القتلة في مزابل التاريخ.
لم نشهد ظهيرة الرابع عشر من شباط 2005 على جريمة اغتيال سياسيّ وحسب، بل على لحظة فاصلة أعادت تعريف البوصلة الوطنيّة.
إعادة تعريف السّياسة
في تلك الظهيرة سقطت الأقنعة دفعة واحدة، وتعرّت الخيارات، وانكشف الفرق بين من يريد دولة تُدار بالقانون والمؤسّسات، ومن يريد وطناً مُعلّقاً على فوهة بندقيّة، فكان الدم الذي سُفك يومها إعلاناً قاسياً لنهاية زمن الرماديّات وبداية زمن الوضوح.
جاء ذلك الوضوح على الرغم من سواد الجريمة والدخان معاً. هي باقة كاملة تضمّ الوضوح في تحديد العدوّ، الوضوح في تعريف الدولة، والوضوح في فهم معنى السيادة خارج القواميس الخشبيّة والشعارات المستهلَكة.
لا نكتب عن رفيق الحريري بوصفه ماضياً جميلاً، بل بوصفه معياراً أخلاقيّاً وسياسيّاً للحاضر والمستقبل. نكتب عنه لأنّ دماءه لم تكن نهاية، بل بداية وعي وطنيّ، بداية شجاعة جماعيّة، وبداية طريق طويل نحو الدولة
لم يعد جمهور رفيق الحريري منذ ذلك التاريخ جمهور طائفة أو حزب، بل جمهور فكرة كبرى، فكرة الدولة التي لا تحتاج إلى ميليشيا لتحميها، ولا إلى وصاية لتبرّر وجودها. فجمهور رفيق الحريري تعلّم عبر الألم أنّ الشجاعة الحقيقيّة لا تكمن في رفع الرايات بل في القدرة على التحرّر منها، وأنّ الانتماء الوطنيّ أوسع وأبقى من أيّ تنظيم سياسيّ، مهما تضخّم، ومهما ادّعى احتكار الحقيقة أو المقاومة أو الخلاص.
في تلك اللحظة تحديداً تقدّمت إعادة الاعتبار لهذا الجمهور كضرورة وطنيّة، لا كترف سياسيّ، فهذا الجمهور، الذي جرى استهدافه بالتخوين تارة، وبالتهميش تارة أخرى، أثبت أنّه المظلّة الجامعة والأكثر صموداً.
لم يتفكّك جمهور رفيق الحريري حين تفكّكت المشاريع، ولم ينكفئ حين انكفأت القيادات، وبقي أوفى لرفيق الحريري من كلّ الصيغ السياسيّة التي حاولت اختزاله أو توظيفه. بقي جمهور رفيق الحريري وفيّاً للفكرة، لا للطقس، ولا للتاريخ، ولا للمناسبة.
قوّة حضور رفيق الحريري لم تُقَس يوماً بعدد الخطابات ولا بحجم الصور، بل بقدرته على إعادة تعريف السياسة بوصفها خدمة عامّة، لا ساحة غلبة. من هنا يصبح اختزال إرثه في ذكرى سنويّة ظلماً مضاعفاً له ولجمهوره، فهو أكبر من 14 شباط، وأعمق من لحظة اغتيال، وأبقى من كلّ المشاريع التي وُلدت بعده ثمّ ذبلت عند أوّل اختبار جدّيّ.
دليلنا على ذلك أنّ القتلة أنفسهم أو من سار في مشروعهم يعودون إلى صورة رفيق الحريري، يستنجدون بها، أو يحاولون الاحتماء بظلّها، هرباً من هزائمهم المتراكمة، فبدا واضحاً أنّ من حاولوا اغتيال فكرة الدولة انتهوا إلى البحث عنها لإنقاذ أنفسهم.
الاعتراف متأخّر، لكنّه فاضح بأنّ الحريري كان أقوى منهم، حيّاً وشهيداً.
دماء رفيق الحريري قد أزهرت، وبذرتها لم تمُت، مهما اشتدّ القحط، ويا ليته كان معنا اليوم ليرى أنّ الوضوح الذي زرعه، وإن تأخّر، لا بدّ أن يُثمر
الوضوح أساس البناء
مع ذلك، لا يمكن لهذا الاستحضار الوجدانيّ أن يعفينا من نقد الذات، ولا من مساءلة التجربة السياسيّة التي حملت اسم الحريري من بعده.
الأصل هو رفيق الحريري، لا ما آلت إليه الممارسة السياسيّة لاحقاً، والأصل هو مشروع الدولة، لا إدارة التسويات ولا سياسة تقطيع الوقت، والفرق شاسع بين الوفاء لنهجه، وبين الاكتفاء بالعيش على إرثه من دون امتلاك جرأته.
تُثبت التجربة بذلك أنّ التسلّح بفكر رفيق الحريري، بثقافته السياسيّة، وبإيمانه العميق بالدولة، كان وسيبقى أقوى من كلّ المغامرات السياسيّة الفاشلة واليائسة، فالدولة لا تُبنى بالمساومات الرماديّة، ولا تُحمى بالخطابات العالية النبرة الخاوية المعنى، بل بالوضوح، ذاك الوضوح الذي دفع الحريري حياته ثمناً له.
اليوم، بعد واحد وعشرين عاماً، يبدو هذا الوضوح أكثر إلحاحاً من أيّ وقت مضى.
لا أتحدّث هنا عن وضوح الخصومة فقط، بل عن وضوح الرؤية، وضوح النقد، ووضوح الاعتراف بالأخطاء. فالجمهور الذي تعلّم من رفيق الحريري مدرسة الانفتاح والاعتدال، قادر أيضا على تعلّم مدرسة النقد الذاتيّ، وعلى تطوير قدرته على تفسير الخلاف لا شيطنته، وعلى تحويل الألم إلى وعي، لا إلى كراهية.
إقرأ أيضاً:
في هذه الذكرى، لا نكتب عن رفيق الحريري بوصفه ماضياً جميلاً، بل بوصفه معياراً أخلاقيّاً وسياسيّاً للحاضر والمستقبل. نكتب عنه لأنّ دماءه لم تكن نهاية، بل بداية وعي وطنيّ، بداية شجاعة جماعيّة، وبداية طريق طويل نحو الدولة، مهما حاولوا إقفالها بالألغام.
دماء رفيق الحريري قد أزهرت، وبذرتها لم تمُت، مهما اشتدّ القحط، ويا ليته كان معنا اليوم ليرى أنّ الوضوح الذي زرعه، وإن تأخّر، لا بدّ أن يُثمر.
