أعلنت إندونيسيا، أكبر دولة إسلاميّة، استعدادات تُجريها لإرسال قوّة من 8 آلاف جنديّ إلى قطاع غزّة. الخبر لافت لأنّه أوّل إعلان رسميّ من دولة مرشّحة للمشاركة في “قوّة الاستقرار الدوليّة ISF” التي اقترحها الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في خطّة من 20 بنداً لإنهاء حرب غزّة وتسويق سلام شامل في المنطقة. جاء الإعلان من جاكرتا ليكشف أنّ ورشة التدخّل الدوليّ العسكريّ في القطاع تجري بهدوء قطعه إعلان إندونيسيا.
اللافت أنّ إندونيسيا تبدي انفتاحاً على خطط طموحة. تحدّث وزير الدفاع عن تدريب قوّة تصل إلى عشرين ألفاً، وهو الرقم نفسه الذي وعد به الرئيس الإندونيسيّ برابوو سوبيانتو من على منبر الأمم المتّحدة خلال أعمال الجمعيّة العامّة في أيلول الماضي، ملمّحاً إلى عدد أكبر. يدفع الأمر إلى تخيّل تلك الآلاف من الجنود المسلمين، يضاف إليهم قوى قادمة من بلدان إسلاميّة أخرى، يتكدّسون في غزّة المطلّة على جنوب إسرائيل.
باب لتوسيع الاستثمارات
ربّما تعوّل إندونيسيا على لعب دور أكبر يتيح لها توسيع استثماراتها في المنطقة والحصول على عقود في مشاريع إعادة إعمار غزّة، ومباشرة مناورات سياسيّة في الشرق الأوسط. قد لا تذهب إندونيسيا إلى الحدود القصوى التي يطمح إليها رئيسها، لأنّ بعض مكوّنات البرلمان في جاكرتا يستبعد ويحذّر من إرسال 20 ألفاً يمثّلون عدّة ألوية عسكريّة.
ينطوي سكوت حكومة بنيامين نتنياهو عن الإعلان الإندونيسيّ على موافقة ولو على مضض. فوجئت إسرائيل كما فوجئنا أن تكون إندونيسيا، التي لم يُعرف عنها انخراط شرق أوسطيّ، حاضرة في اجتماع عاجل في نيويورك دعاها إليه ترامب في 23 أيلول الماضي مع دول أخرى (باكستان، تركيا، السعوديّة، مصر، الأردن، الإمارات، قطر)، تداول فيه معها خطّته التي أعلنها بعد أيّام لإنهاء حرب غزّة ومباشرة “ما بعد غزّة”.
. تحدّث وزير الدفاع عن تدريب قوّة تصل إلى عشرين ألفاً، وهو الرقم نفسه الذي وعد به الرئيس الإندونيسيّ
فُهم حينها أنّ دعوة باكستان إلى ذاك الاجتماع، الذي حضره قادة ووزراء خارجيّة، ربّما قد جاءت بعد ستّة أيّام على إعلان إبرام إسلام آباد والرياض اتّفاق الدفاع الاستراتيجيّ المشترك في 17 من ذلك الشهر. فُهم أيضاً أنّ ترامب أدرك أنّ باكستان باتت لاعباً نوويّاً أساسيّاً على رقعة الشرق الأوسط يُستحسن حضورها في جلسة تشاور في خطّةٍ ستقرّر مستقبل المنطقة.
تفيد اجتهادات لأولي المعرفة والمعلومة في واشنطن بشأن إندونيسيا بأنّ ما يطمح إليه ترامب يحتاج إلى مظلّة أكبر دولة إسلاميّة: إندونيسيا (287 مليون نسمة، 87 بالمئة منهم مسلمون، وهي من أكبر اقتصادات جنوب شرق آسيا وعضو مؤسّس لمجموعة آسيان ASEAN).
بيئة إسلاميّة حاضنة
تلتقي جاكرتا مع خطط واشنطن فترعاها وتدعمها وتوفّر لها بيئة إسلاميّة حاضنة. ستؤدّي تحضيرات إندونيسيا العسكريّة صوب غزّة إلى الكشف عن جدّية ورش متعدّدة الجنسيّات لتشكيل “قوّة الاستقرار الدوليّة” بعدما تشكّل عمليّاً “مجلس السلام” وعيّن الدبلوماسي البلغاريّ نيكولاي ملادينوف منسّقاً له، وتشكّلت “اللجنة الوطنيّة لإدارة غزّة” من أعضاء تكنوقراط برئاسة المهندس علي شعث.

لكنّ تحرّك إندونيسيا قد يشجّع أيضاً دولاً مثل باكستان، ماليزيا، المغرب، بنغلادش، أذربيجان، البوسنة، تركيا، والأردن على تسريع التزاماتها، خوفاً من تفرّد إندونيسيا بالدور الإسلاميّ البارز.
وفق ذلك الواقع، بدا أنّ دولتين إسلاميّتين كبيرتين حليفتين لواشنطن، باكستان وإندونيسيا، تنضمّان إلى تركيا، الدولة الإسلاميّة العضو في حلف الناتو، في الاضطلاع بدور فاعل وأساسيّ ومباشر في قضايا العالم العربيّ.
تعوّل إندونيسيا على لعب دور أكبر يتيح لها توسيع استثماراتها في المنطقة والحصول على عقود في مشاريع إعادة إعمار غزّة
لا تقبل إسرائيل حتّى الآن مشاركة تركيّة عسكريّة في غزّة، لكنّها لم تعارض حضوراً إندونيسيّاً، علماً أنّه سبق لإندونيسيا المشاركة في قوّات حفظ السلام في جنوب لبنان، وهي أيضاً منطقة تماسٍ مع إسرائيل. وقد لا تعارض إسرائيل وجوداً من باكستان وماليزيا وغيرهما أيضاً. وفيما نفوذ ترامب يلجم شططاً إسرائيليّاً يميل نحو تخريب خطّته ومؤسّساتها، فإنّ في إسرائيل من يؤكّد محاججاً أن لا اعتراض على وجود قوّات إسلاميّة من “دول غير عدائيّة”.
لا تعترف بإسرائيل
على عكس تركيا، لا تعترف إندونيسيا بإسرائيل ولا تقيم أيّ علاقات معها، وهي رسميّاً وتاريخيّاً مناصرة لفلسطين وتحظى قضيّتها باحتضان شعبيّ عامّ. أن ترابط قوّات من إندونيسيا “في فلسطين” فذلك ليس تفصيلاً في سياق التاريخ الحديث وفي تحوّلات ما بعد “طوفان الأقصى”. يتقدّم الحدث ليعبّر عن تغيير في أدوات اللعبة وخرائط التوازنات. في ولاية ترامب الأولى سهُل على الرئيس الأميركيّ الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل والسيادة الإسرائيليّة على هضبة الجولان. عوّل نتنياهو على تلك السابقة لتمرّر حكومته قراراتها الأخيرة للتحضير لضمّ الضفّة الغربيّة.
قوبلت القرارات بموجة إدانة ورفض واستنكار من عواصم أوروبيّة وغربيّة وعربيّة وإسلاميّة، إضافة إلى موسكو وبكين وغيرهما. لكنّ الجديد اللافت أتى من واشنطن. في 10 شباط الجاري قال البيت الأبيض إنّ “الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب أوضح بجلاء أنّه لا يؤيّد ضمّ إسرائيل للضفّة الغربيّة”. لكن متى أوضح؟ ماذا قال؟
ستؤدّي تحضيرات إندونيسيا العسكريّة صوب غزّة إلى الكشف عن جدّية ورش متعدّدة الجنسيّات لتشكيل “قوّة الاستقرار الدوليّة”
في 15 تشرين الأوّل 2025، وفي تعليق على قراءة أوليّة للكنيست لقانون فرض السيادة على مستوطنات الضفّة الغربيّة، قال ترامب لمجلّة تايم: “لن يحدث ذلك لأنّني أعطيت كلمتي للدول العربيّة. لا يمكن فعل ذلك الآن. لقد حظينا بدعم عربيّ كبير. ستفقد إسرائيل كلّ دعمها من الولايات المتّحدة إذا حدث ذلك”.
إقرأ أيضاً: ترامب والعالم: السّباق نحو “صندوق” الخريف
“لن يحدث ذلك”. ليس الأمر مضموناً ولا يؤمن له. لكنّ العالم تغيّر وباتت المنطقة، بجناحيَها العربيّ والإسلاميّ، تملك عوامل مقرّرة ضاغطة ليس أوّلها تحرّك الحليف السعوديّ لبناء تحالف دوليّ للاعتراف بالدولة الفلسطينيّة ورعاية مؤتمر لحلّ الدولتين، وليس آخرها الحليف الإندونيسيّ الذي يتمّ في معسكراته التحضير لإرسال ألوية إلى غزّة.
لمتابعة الكاتب على X:
