هل يلغي الزلزال الإيراني الزلزال العراقي؟

مدة القراءة 6 د

لا معنى لكلّ ما يدور في المنطقة العربية، وما يتجاوزها وصولاً إلى تركيا وإيران، في حال بقاء النظام القائم في طهران. لا يمكن معالجة آثار الزلزال العراقي الذي وقع في العام 2003 من دون زلزال إيراني يعيد الأمور إلى نصابها في الشرق الأوسط والخليج. يعود ذلك إلى أنّّه لا مجال للتعايش بين أهل المنطقة من جهة وبلد يحكمه نظام قائم على فكرة “تصدير الثورة” في محيطه من جهة أخرى. هل يلغي الزلزال الإيراني المتوقع نتائج الزلزال العراقي… أم يفضي إلى فوضى من نوع آخر؟

 

بعد كل الحروب التي خسرتها، ما زالت “الجمهوريّة الإسلاميّة” في إيران تعتقد أنّ سر بقائها يكمن في قدرتها على تصدير أزماتها إلى خارج حدودها، وهو ما بدأته في خريف العام 1979 بعيد سقوط نظام الشاه وقيام النظام الجديد الذي استند أساسا إلى نظرية “ولاية الفقيه” التي وضعت على قياس رجل الدين آية الله الخميني.

لا معنى لكلّ ما يدور في المنطقة العربية، وما يتجاوزها وصولاً إلى تركيا وإيران، في حال بقاء النظام القائم في طهران

اكتمال الهلال

افتتح الخميني إنجازاته باحتجاز ديبلوماسيي السفارة الأميركية في طهران طوال 444 يوما. نجح وقتذاك الابتزاز الإيراني للولايات المتحدة، خصوصا في ضوء الضعف الذي اظهرته إدارة جيمي كارتر المنقسمة على نفسها. صار الابتزاز الذي يقوم على تطويع الإدارات الأميركيّة الواحدة تلو الأخرى سياسة إيرانية ثابتة تجاه أميركا. استمرّت هذه السياسة مع رونالد ريغان الذي يعرف جيدا أنّه ما كان ليصل إلى موقع الرئاسة لولا صفقة مع النظام الإيراني أدت إلى إسقاط جيمي كارتر والحؤول دون حصوله على ولاية ثانية. كان كافيا امتناع المحيطين بالخميني عن إطلاق الرهائن الأميركيين من ديبلوماسيي سفارة طهران قبل موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية كي يفشل كارتر في الحصول على ولاية ثانية… وينجح ريغان.

يفسّر ذلك الرد الأميركي المائع على تفجير إيران لموقع “المارينز” قرب مطار بيروت في 23 تشرين الأوّل – أكتوبر 1983 على الرغم من أن ضحايا الجيش الأميركي بلغ وقتذاك 241  قتيلا. كانت تلك أكبر ضربة عسكرية تتلقاها الولايات المتحدة منذ حرب فيتنام.

صبرت الإدارات الأميركية على “الجمهوريّة الإسلاميّة” طويلا. بلغ الأمر بجورج بوش الإبن أن تواطأ مع إيران في حربه على العراق في العام 2003. سمح هذا التواطؤ لـ”الجمهوريّة الإسلاميّة” بوضع يدها على العراق وتحقيق قيام “الهلال الشيعي”، الذي هو بالفعل هلال فارسي. امتد الهلال الفارسي من طهران إلى بيروت، مرورا ببغداد ودمشق.

قلبت سيطرة إيران على العراق موازين القوى في المنطقة. قلب أسلوبها الناجح في التعاطي مع واشنطن المنطقة رأسًا على عقب. كان الرئيس الفرنسي الراحل فرنسوا ميتران يحذر منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي من سقوط الحدود بين العراق وإيران. جاء تحذيره من منطلق أنّ هذه ليست حدودا بين بلدين بمقدار ما إنّها حدود “بين حضارتين عظيمتين” هما الحضارة الفارسية والحضارة العربية. مع سقوط الحدود بين العراق وإيران في ربيع 2003 تغيّرت المعادلة الإقليمية جذريا لمصلحة “الجمهوريّة الإسلاميّة”. حدث زلزال لم تتوقف تردداته عند العراق، بل شمل سوريا ولبنان… وصولا إلى اليمن

لم تكن الضربات الأخيرة التي استهدفت مواقع لـ “الحزب” في البقاع سوى نموذج معبّر، بل مقبّلات، لما يبدو إنه مقبل عليه

حدث ذلك كلّه بمباركة أميركيّة وإسرائيليّة إلى حد كبير. لم تتردّد إدارة باراك أوباما في توفير ما تحتاج إليه “الجمهوريّة الإسلاميّة” من أموال بغية متابعة الاستثمار في مشروعها التوسّعي. كان توقيع الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني صيف العام 2015 تعبيرا عن رؤية أميركيّة تختزل كلّ أزمات المنطقة في التوصّل إلى تسوية مع “الجمهوريّة الإسلاميّة” في شأن هذا الملفّ النووي. أمّا إسرائيل، فكانت ترى في إيران عاملا يخدم مصالحها على الصعيد الإقليمي، خصوصًا في ظلّ الاتفاق الذي توصّلت إليه مع “الحزب” والمتعلّق بـ”قواعد الإشتباك” في جنوب لبنان من جهة وتوريط إيران للحزب في الحرب السوريّة التي استمرت حتّى آخر العام 2024 من جهة أخرى. فوق ذلك كلّه، لم يكن لدى إسرائيل أي اعتراض، في أي يوم، على تلقّي “حماس” دعما إيرانيًا ومساعدة مالية شهريّة من قطر، ما دام ذلك يخدم تكريس الانقسام الداخلي الفلسطيني…

إعادة تشكيل المنطقة

تحتاج المنطقة إلى زلزال جديد من نوع آخر يضع حدّا نهائيا للمشروع التوسّعي الإيراني وذلك بغض النظر عن الأخذ والردّ في ما يتعلّق بشخصية دونالد ترامب. في نهاية المطاف، يعتبر ترامب الرئيس الأميركي الوحيد الذي تجرّأ على إيران، إن بتمزيقه الاتفاق النووي في العام 2018 أو باغتياله قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” مطلع 2020. مع عودته إلى البيت الأبيض مطلع 2025، شاركت إدارته في حرب حزيران – يونيو من تلك السنة. ألقت القاذفات الأميركية 14 قنبلة من النوع المتطور على المواقع النووية الإيرانية الأساسية…

نشهد حاليًا، من خلال الحشد العسكري الأميركي في المنطقة بداية زلزال جديد لا يقلّ أهمّية عن الزلزال العراقي ولكن مع صعوبة التكهن بالنتائج التي ستترتب على الحدث في المنطقة كلّها. سيكون مطروحًا مصير دول معيّنة، بما في ذلك إيران نفسها حيث نظام يترنح في ضوء عجزه عن الخروج من اللغة الخشبية التي اعتمدها منذ قيامه قبل 47 عاما.  لم تعد المسألة مسألة ابتزاز العالم بالملفّ النووي. المسألة تتعدّى ذلك بكثير وتشمل الصواريخ الباليستية ومنصاتها وأذرع “الحرس الثوري” في المنطقة… وأخيرًا السلوك الداخلي للنظام، أي طريقة تعاطيه مع الشعوب الإيرانيّة المتطلعة إلى حدّ أدنى من الحريّة والكرامة.

إقرأ أيضاً: “الحزب” للمعركة الأخيرة وإيران بين الاستسلام والتّصعيد

استسلم النظام الإيراني أم قرّر المقاومة، لن يكون المطروح في ضوء الزلزال الآتي مصير إيران فحسب بمقدار ما المطروح إعادة تشكيل المنطقة.

هنا يجد لبنان نفسه أمام السؤال الكبير هل يعرف كيف يحيّد نفسه عبر تفادي حملة عسكرية جديدة عليه؟ لم تكن الضربات الأخيرة التي استهدفت مواقع لـ “الحزب” في البقاع سوى نموذج معبّر، بل مقبّلات، لما يبدو إنه مقبل عليه…

مواضيع ذات صلة

الكرد بين الدّاخل والخارج: أوجلان وعبدي نموذجاً

يواكب التحرّك الكرديّ على خطّي أنقرة ودمشق جملة من التحوّلات السياسيّة والميدانيّة التي تحمل معها نقاشاً يتفاعل يوماً بعد يوم:  هل يمكن الاستناد إلى الدعم…

الهزيمة والنّصر في أدبيّات حروبنا

في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، ضُربت إسرائيل بزلزالٍ لم يسبق أن ضُربت بمثله منذ قيامها، وبعد أكثر من سنتين دُمّرت غزّة بما لم يسبق…

السفير الهزاع من القرداحة إلى مسجد الأمين

دخل عليه مرافقه على عجل، مقاطعاً حديثه مع مستضيفيه. اقترب من أذنه هامساً: “سيدي، لقد استشهد شقيقك و13 من رفاقه من عناصر الأمن العام. لقد…

أميركا وإيران: من الصّبر الاستراتيجيّ إلى لحظة الحسم

بين أميركا وإيران هوّة كبيرة ازدادت اتّساعاً منذ 1979 إلى اليوم. إيران دولة طامحة لدور القوّة العظمى في المحيط الإقليميّ. أميركا دولة عظمى ذات قدرات…