دخل عليه مرافقه على عجل، مقاطعاً حديثه مع مستضيفيه. اقترب من أذنه هامساً: “سيدي، لقد استشهد شقيقك و13 من رفاقه من عناصر الأمن العام. لقد وقعوا في كمين لفلول النظام البائد في منطقة الساحل”. نظر إلى مرافقه صامتاً، وأشار عليه بخروجه من القاعة، ليكمل كلامه أمام الحضور قائلاً: “ما يجمعنا نحن السوريين أننا سوريون أساساً، تجمعنا أرض واحدة ويجمعنا تاريخ واحد“.
هذا هو إياد الهزاع، ابن ريف حماه، الذي يخفي تحت كل حجرة من حجاره ألف قصة وقصة عن شهيد هناك، ومفقود هنالك، وعائلات أُبيدت من أيام عائلة حافظ الأسد الأب، وانتهاءً ببشار الأسد الابن.
كان إياد الهزاع في تلك الجلسة بمدينة القرداحة قرية الأسد، التي يحلو للبعض تسميتها عاصمة العلويين، في مهمة سياسية صعبة، وهي احتواء العلويين ودمجهم في عملية إعادة بناء الدولة السورية الجديدة، عبر إعادة بناء الثقة بينهم وبين كافة المكونات السورية الأخرى.
كان الهزاع في لحظتها بالخيار بين الغضب لاستشهاد شقيقه، أو الانتصار لمشروع بناء الدولة، فاختار بناء الدولة. فواصل جولته ولم يقطعها، وجالس مجموعات كثيرة، ربما كان بعض القتلة يجلسون فيها.
خصوم الدولة السورية يرون في إياد الهزاع ذراعاً أمنية لقمع الفلول أو المعارضة كما يسمونها
لماذا عُيّن في بيروت؟
تختلف التفسيرات حول سبب تعيين إياد الهزاع رئيساً للبعثة السورية الدبلوماسية في بيروت. رواية أصحابه وأحبابه ورفاقه في القتال تقول إنه الرجل المناسب في المكان المناسب. وُلد في ريف حماه، حيث التنوع الطائفي والمذهبي يبلغ منتهاه: قرية علوية بجانبها أخرى مسيحية، وعلى يسارها قرية سنية.
عاش التنوع الطائفي والمذهبي منذ نعومة أظفاره، فكان الخيار عليه عندما سقط النظام أن يدير مكتب اللاذقية، مشرفاً على عملية السلم الأهلي. فكان المهذب الحازم، حاور الجميع واستمع إلى الجميع، وحقق ما استطاع مطالب الجميع. إلا أنه كان حازماً في ملاحقة القتلة والمجرمين من قرية إلى قرية، ومن منزل إلى منزل، ولم يترك لهم مأوى آمناً. وصل به الأمر إلى لبنان.
بالمقابل، خصوم الدولة السورية يرون في إياد الهزاع ذراعاً أمنية لقمع الفلول أو المعارضة كما يسمونها، حيث اشتاط رئيس المرصد السوري رامي عبد الرحمن غضباً عندما زار بيروت برفقة أحد المسؤولين الأمنيين، فرأى عبد الرحمن أنها زيارة هدفها ترهيب المعارضين المقيمين في لبنان، ودفعهم إلى التراجع عن مواقفهم السياسية والإعلامية، وتوظيف السفارة السورية في بيروت لأدوار أمنية.
الصلاة في مسجد الأمين
في السادس من شهر شباط الجاري، إثر توقيع اتفاقية نقل المحكومين السوريين في السجون اللبنانية إلى سوريا، سأل وزير العدل السوري مظهر اللويس إياد الهزاع على درج السراي الحكومي الكبير: “أين تريدنا أن نصلي الجمعة؟”. أجابه دون تردد: “في مسجد الأمين، خلف أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي، هو شيخ صالح دافع عن الثورة السورية منذ انطلاقتها”.
توجه موكب الوزير إلى مسجد محمد الأمين، إلا أنّ الشيخ الكردي كان في مدينة الحسكة السورية، مشاركاً في قراءة صحيح بن مالك. حرص الهزاع على التواصل الهاتفي بين الوزير اللويس والشيخ الكردي، فكان سلام وكلام وتقدير.
القرداحة ليست تهمة ولا استثناء، بل جزء من هذا البلد الذي نحاول جميعاً أن نعيد بناءه على أسس جديدة: العدالة، والمساواة، والعيش المشترك
يجيد إياد الهزاع فن التواصل وصناعة الأصدقاء. يقول الإعلامي السوري علي عيد، المقيم في باريس، واصفاً إياه بـ”الرجل يعرف كيف يواجه وكيف يصالح عندما تحتاج المواجهة إلى مصالحة”.
لعل أبلغ من يعبر عن ذلك الهزاع نفسه بما قاله عندما اختتم زيارته إلى القرداحة:
“دخلتُ المدينة التي لطالما ارتبط اسمها في أذهان السوريين بعقود من القمع والسلطة، وكنتُ مدركاً لحساسية المكان وثقله الرمزي، ومع ذلك ذهبت لا أحمل خطاباً سياسياً، بل نية صادقة للاستماع والمصافحة، وفتح الباب أمام حوار وطني حقيقي.
جلستُ مع أُسر فقدت أبناءها، ومع شباب ما زالوا يحملون أثقال الحرب في وجوههم وأصواتهم. لمستُ مشاعر الخوف والريبة وحتى الغضب، لكنني لمست أيضاً شيئاً أعمق: رغبة مكبوتة في المصالحة، وحنيناً لوطن ينتمون إليه.
قلتُ لهم بوضوح: لسنا هنا للثأر ولا لتصفية الحسابات، نحن هنا لنعيد تعريف الوطن ليشمل الجميع دون استثناء، وليبدأ من اعترافنا المتبادل بالألم والحق والكرامة.
القرداحة ليست تهمة ولا استثناء، بل جزء من هذا البلد الذي نحاول جميعاً أن نعيد بناءه على أسس جديدة: العدالة، والمساواة، والعيش المشترك.
غادرتُ القرداحة اليوم وأنا أكثر يقيناً بأن المستقبل لن يُصنع بالخطابات، بل بالصدق والشجاعة، ومدّ اليد حتى نحو من كنا نظنهم أبعد الناس”.
إقرأ أيضاً: رحل محسن دلّول.. ناقل بريد السّياسيّين
إياد الهزاع رئيساً للبعثة الدبلوماسية السورية في بيروت. ماذا سيقول عندما يدخل إليها أو يخرج منها؟ هو نفسه غرّد قائلاً على حسابه في تطبيق “إكس”: “بمناسبة اليوم الأول لمباشرة عملي كرئيس البعثة الدبلوماسية السورية في لبنان، يشرفني تولي مهمة خدمة وطني سوريا. أبدأ هذا الطريق بعزم وإخلاص لبناء علاقات استراتيجية تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون الفعال مع الأشقاء في لبنان، مع الالتزام بدعم جاليتنا السورية وتعزيز دورها الإيجابي”.
كلام دقيق لمهمة دقيقة، في بلد يحقق فيه الدبلوماسي نجومية أو يسقط في بئر الفشل الكبير. إنه التحدي الجديد لإياد الهزاع.
لمتابعة الكاتب على X:
