الكرد بين الدّاخل والخارج: أوجلان وعبدي نموذجاً

مدة القراءة 6 د

يواكب التحرّك الكرديّ على خطّي أنقرة ودمشق جملة من التحوّلات السياسيّة والميدانيّة التي تحمل معها نقاشاً يتفاعل يوماً بعد يوم:  هل يمكن الاستناد إلى الدعم الخارجيّ لانتزاع المطالب أم الحوار الداخليّ هو الذي يحمل الأمل لفتح الطريق أمام تثبيت الأماني؟

 

تتبيّن الإجابة عند المقارنة بين حراك عبدالله أوجلان، الذي يسعى إلى تحويل الأمل إلى حقّ وهو ينشط على أكثر من جبهة داخليّة أهمّها البرلمان التركيّ، وتمسّك مظلوم عبدي بالاعتماد على أمل خارجيّ للوصول إلى ما يريده من حقوق. هذه الثنائيّة،  حقّ الأمل عند أوجلان وأملُ الحقّ عند عبدي، ليست توجّهاً نظريّاً وحسب، بل هي مؤشّر حقيقيّ إلى مسار ومستقبل الملفّ الكرديّ في البلدين، وفي لحظة إقليميّة تميل إلى تعزيز فرص الدولة المركزيّة والحلول المؤسّسيّة.

برز أخيراً تمايز لافت بين مقاربتين سياسيّتين لجوهر التحوّلات الراهنة بالمشهد الكرديّ على خطّ  أوجلان – عبدي، ويمكن تلخيصه من خلال جدليّة مرتبطة بثنائيّة حقّ الأمل وأملُ الحقّ.

يحاول أوجلان تبنّي واقعيّة جديدة ، معوّلاً على تحويل الأمل إلى مسنِد تشريعيّ مؤسّساتيّ ليكون للدولة دورها الضامن

بالنسبة إلى أوجلان، سجين جزيرة إيمرالي والمنفتح على حوار سياسيّ جديد مع أنقرة، لم يعد أمل التسوية خطاباً تعبويّاً فقط، بل أصبح مساراً سياسيّاً ينتظر الترجمة داخل المؤسّسات التشريعيّة. الأمل كما يراه مبنيّ على مسار برلمانيّ، وعلى إمكانيّة نقل المواجهة إلى صيغة قانونيّة ودستوريّة بغطاء تشريعيّ وبرلمانيّ داخليّ، وهو ما يعكس تحوّل الأمل إلى حقّ يعترف به القانون ويعيد تعريف العلاقة بين المركز السياسيّ وطروحات المكوّن الكرديّ.

أمّا لدى مظلوم عبدي فالحقّ موجود ميدانيّاً عبر النفوذ العسكريّ، الإدارة الذاتيّة، والحضور التفاوضيّ، لكنّه يظلّ بحاجة إلى أمل سياسيّ خارجيّ لضمان استمراريّته عبر اعتراف دوليّ، أي أنّ الحقّ قائم على الأرض، لكنّه ينتظر مظلّة أمل خارجيّة ليكتمل.

ينتظر أوجلان تحقيق أمله عبر تبديل طريقة المواجهة ونقل الملفّ إلى مربّع السياسة والتشريع، وغلق أبواب التوظيف الإقليميّ للصراع بعكس ما كان يفعله قبل عقود. أمّا عبدي الذي يقول إنّ مهمّته الجديدة اليوم هي إنجاز التفاوض مع دمشق، فما يزال يعوّل على المظلّة الخارجيّة لتعطيه ما يريد.

موقع عبدي أكثر هشاشة وانكشافاً مقارنة بالمسار الذي يقوده أوجلان، لأنّه محكوم بوقائع متقلّبة وتحالفات غير مستقرّة تجعله أكثر عرضة للضغوط والتبدّلات في المواقف والسياسات.

يراهن أوجلان على تحويل فرص الأمل إلى حقّ عبر التشريع تحت غطاء مؤسّسات الدولة. بينما يستقوي عبدي بأوراق الميدان والدعم الخارجيّ لتحويلها إلى مصدر قوّة في انتزاع الحقّ. يتمسّك بتجاهل ميل المناخ الدوليّ في التعامل مع تطوّرات الملفّ الكرديّ في تركيا وسوريا إلى دعم مسار بناء الدولة المركزيّة والحلول المؤسّسيّة، وهو ما يجعل معادلة تحويل الأمل إلى حقّ داخل الدولة أكثر استقراراً من معادلة دعم الوصول إلى الحقوق عبر رهانات خارجيّة.

تتبدّى جدليّة دقيقة بين مفهومين عند قراءة التحوّلات الحاصلة بين طروحات حقّ الأمل وأمل الحقّ للرجلين: بالنسبة إلى أوجلان، يتحرّك المسار من الأمل نحو الحقّ بالأمل، داخل بنية الدولة عبر التشريع والمؤسّسة، للوصول إلى الهدف. أمّا لدى عبدي فالحقّ قائم ميدانيّاً: إدارة وسلطة أمر واقع وحضور تفاوضيّ، لكنّ تثبيته النهائيّ مرتبط بتبدّلات الموقف الدوليّ ومدى استعداد القوى الخارجيّة لمنحه غطاءً سياسيّاً طويل الأمد. في الحالة الأولى يبحث الأمل عن شرعيّته في الدولة، وفي الثانية يبحث الحقّ عن ضمانته خارج الدولة.

لا يمنح التاريخ في لحظات التحوّل الكبرى الأفضليّة للأكثر صخباً، بل لأولئك القادرين على تحويل الأمل إلى قاعدة شرعيّة مستقرّة تجعل الثبات داخل الدولة أكثر صلابة وديمومة

يعني نجاح معادلة “حقّ الأمل” في الداخل التركيّ أنّ الدولة تستعيد زمام المبادرة سياسيّاً، فالتسوية عندما تُصاغ في البرلمان تصبح جزءاً من النظام، لا عبئاً عليه، فيخفّ التوتّر الداخليّ ويتعزّز موقع أنقرة في الخارج، وتصبح أكثر قدرة على إدارة ملفّاتها الإقليميّة من موقع قوّة واستقرار.

أمّا في سوريا فالوضع مع عبدي أكثر حساسيّة . “أمل الحقّ” إذا بقي مرتبطاً بالعامل الخارجيّ يظلّ تحت رحمة مزاج الأخير. لذلك يبقى التحوّل نحو اندماج مؤسّساتيّ ضمن الدولة السوريّة الطريق الوحيد لتحويل الأرباح المؤقّتة إلى مكاسب دائمة، وهو ما يوضح الفرق بين مسار يتّجه إلى الداخل ليحصّن نفسه ومسار لا يزال يعتمد على الخارج لحمايته.

يحاول أوجلان تبنّي واقعيّة جديدة ، معوّلاً على تحويل الأمل إلى مسنِد تشريعيّ مؤسّساتيّ ليكون للدولة دورها الضامن ليس فقط بالقوّة العسكريّة، بل من خلال القوانين والإجراءات المؤطِّرة للسلام. بينما مع عبدي في سوريا بدّلت القوى الخارجيّة أجنداتها وسياساتها مراراً فوجد وفريقه أنفسهم بلا غطاء حقيقيّ، معرَّضين لخسارة نفوذهم وشرعيّتهم الميدانيّة والبقاء وسط الرياح والعواصف التي تعصف بهم من كلّ صوب.

بين أوجلان وعبدي فرق خيارات لا فرق شعارات. يراهن الأوّل على أن يصبح الأمل حقّاً داخل الدولة، بينما يراهن الثاني على أن يحمي الخارج مكاسب تتآكل ميدانيّاً.

إقرأ أيضاً: بعد إيران: تركيا وإسرائيل بين التّحدّي والتّوازن

يحتاج المكوّن الكرديّ في سوريا إلى تكتّل سياسيّ حزبيّ جديد، بعيداً عن طروحات قيادات “قسد”، ليضمن تمثيلاً حقيقيّاً ويحوّل المكاسب المؤقّتة إلى فرصة لا تعوّض في معادلة بناء الدولة الجديدة.
يراهن أوجلان على تحويل الأمل إلى حقّ عبر المؤسّسات، مع وعيه للصعاب الداخليّة، بينما يعتمد عبدي على الخارج لحماية المكاسب الميدانيّة، مدركاً تقلّبات الدعم الدوليّ وصعوبة ضمان الاستمرار على الأرض. ويُبرز هذا بوضوح الفرق بين مسار يسعى إلى الاندماج المؤسّسيّ ومسار يظلّ معلّقاً على ضمانات خارجيّة.
لا يمنح التاريخ في لحظات التحوّل الكبرى الأفضليّة للأكثر صخباً، بل لأولئك القادرين على تحويل الأمل إلى قاعدة شرعيّة مستقرّة تجعل الثبات داخل الدولة أكثر صلابة وديمومة، في مقابل الرهان على الخارج المتقلّب.

 

لمتابعة الكاتب على X:

@Profsamirsalha

مواضيع ذات صلة

هل يلغي الزلزال الإيراني الزلزال العراقي؟

لا معنى لكلّ ما يدور في المنطقة العربية، وما يتجاوزها وصولاً إلى تركيا وإيران، في حال بقاء النظام القائم في طهران. لا يمكن معالجة آثار…

الهزيمة والنّصر في أدبيّات حروبنا

في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، ضُربت إسرائيل بزلزالٍ لم يسبق أن ضُربت بمثله منذ قيامها، وبعد أكثر من سنتين دُمّرت غزّة بما لم يسبق…

السفير الهزاع من القرداحة إلى مسجد الأمين

دخل عليه مرافقه على عجل، مقاطعاً حديثه مع مستضيفيه. اقترب من أذنه هامساً: “سيدي، لقد استشهد شقيقك و13 من رفاقه من عناصر الأمن العام. لقد…

أميركا وإيران: من الصّبر الاستراتيجيّ إلى لحظة الحسم

بين أميركا وإيران هوّة كبيرة ازدادت اتّساعاً منذ 1979 إلى اليوم. إيران دولة طامحة لدور القوّة العظمى في المحيط الإقليميّ. أميركا دولة عظمى ذات قدرات…